القاضي النعمان المغربي
238
تأويل الدعائم
ثم إن الّذي يتلو ما تقدم ذكره من كتاب الدعائم من حج بيت اللّه الحرام « ذكر الدفع من عرفه إلى مزدلفة » قال اللّه عز وجل : « ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ » « 1 » قال الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه : كانت قريش تفيض من المزدلفة ويقولون نحن أولى الناس بالبيت من الناس ، فأمرهم اللّه عز وجل بأن يفيضوا من حيث أفاض الناس وأن رسول اللّه ( صلع ) دفع من عرفة يعنى إلى المزدلفة حين غربت الشمس وقد شنق « 2 » القصوى بالزمام حتى إن رأسها ليصيب رجله وهو يشير بيده اليمنى إلى الناس ويقول : أيها الناس السكينة السكينة وكلما أتى جبلا من الجبال أرخى بها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة ، وقال جعفر بن محمد عليه السلام : وإذا أفضت من عرفات فأفض وعليك السكينة والوقار ، وأفض بالاستغفار فإن اللّه تعالى قال : « أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » وأقصد في السير وعليك بالدعة وترك الوحيف الّذي يصنعه كثير من الناس ، فهذا هو الواجب المأمور به في ظاهر الحج ، وتأويله في الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة مثل إفاضة المؤمنين بعد نقلة إمامهم الّذي هو قبل القائم إلى حجة القائم الّذي يقيمه لهم ويكون ذلك منهم بسكينة ووقار وخشوع لمصابهم بإمام زمانهم ولما ينتظرونه من قيام قائمهم الّذي لا يدرون كيف يكون حالهم عنده إذا كان السير بالجد والسرعة فعل المسرور المغتبط بما يسير إليه هؤلاء على خلاف ذلك من فجعتهم بإمام زمانهم وتوقعهم بما لا يدرون من أحوالهم فيما يصيرون إليه وسبيل من كانت هذه سبيله الوقار والتأنى والخشوع والاستغفار الّذي أمر اللّه عز وجل به وسنة رسوله ( صلع ) . ويتلو ذلك قول على صلوات عليه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله لما دفع من عرفات مر حتى أتى المزدلفة فجمع بها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين ، وعن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال : من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس فعليه بدنة ينحرها ، وقال لا تصل صلاة المغرب والعشاء الآخرة ليلة مزدلفة قبل أن تأتى مزدلفة ، وإن ذهب ثلث الليل ، ومن فعل ذلك متعمدا فعليه دم ، فهذا هو الواجب في ظاهر الحج ، وتأويله في الباطن أن من ذهب عن إمام
--> ( 1 ) سورة البقرة : 199 ( 2 ) شنق البعير أي شدّه بخطامه وهو راكب .